عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

141

الارشاد و التطريز

في اليوم الثاني ، قلت : لا بدّ أن أسأله عن المسألة ، وعزمت على ذلك ، فتقدّمت إليه ، وقلت : أيّها الشيخ ، متى يعلم المريد أنّه مريد ؟ فأعرض عنّي كالأول ، ولم يجاوبني ، فقمت ، وعدت في اليوم الثالث ، فسألته عن المسألة بعينها ، فاجتمع وقال : لا تقل هكذا ، أظنّك تريد أن تسأل عن أول قدم يضعه المريد في الإرادة ؟ فقلت : نعم . فقال لي : إذا اجتمع فيه أربع خصال ؛ أحدها : أن تطوى له الأرض ، وتكون عنده كقدم واحد ، وأن يمشي على الماء ، وأن يأكل من الكون متى أراد ، وأن لا تردّ له دعوة ، فعند ذلك يضع أول قدم في الإرادة ، وأمّا متى علم المريد عندنا أنّه مريد سقط من حدّ الإرادة . قال الشيخ أبو العباس بن العريف : فصحت صيحة كادت نفسي تذهب معها ، ثم قلت له : آه ، آيستنا من الإرادة يا أبا القاسم . وتعجّبت من علوّ همّة هذا الشيخ « 1 » . * وقال الشيخ أبو الربيع رضي اللّه عنه : كنّا عند جماعة « 2 » من الفقراء بمكّة ، وكان فيهم رجال لهم سياحات وأحوال عهدوها من أنفسهم ، وكنت قد وقف بي بحثي عن نفسي على أني لم أجد لي عملا صالحا ، فتفكّرت في نفسي : هل لي حال أنتظره في المستقبل يرد عليّ ؟ فوجدتني فقيرا منه ، فقلت : من العجز انتظار ما لم يكن . فتعلّقت بفعل ما يلزمني في الوقت ، فوجدت أنّه ليس عمل أفضل من الطواف ، فكنت أكثر منه ، فكان بعضهم يقول لي : إلى كم تدور كحمار السّانية « 3 » ، أفي كلّ هذا العمل أنت واجد قلبك ؟ فقلت : لا ، ولا أعرف لي قلبا أجده ، ولا أعرف له مكانا فأطلبه ، ولكنّي سمعت قوله تعالى : وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [ الحج : 29 ] ، فأنا أعمل على ظاهر من الأمر . * وقال الشيخ أبو الرّبيع أيضا رضي اللّه عنه : كنت في بعض سياحتي منفردا ، فقيّض اللّه لي طيرا ، إذا كان الليل ينزل قريبا منّي ، يبيت يسامرني ، فكنت أسمعه اللّيل كلّه ينطق : يا قدّوس ، يا قدّوس ، فإذا أصبح صفّق بجناحيه ، وقال : سبحان الرزّاق ، ثم يغيب عنّي ، فإذا كان اللّيل رأيته يأتي فيقول مثل ذلك ، فلم يزل كذلك مدّة إقامتي في تلك السفرة .

--> ( 1 ) روض الرياحين 503 ( الحكاية : 464 ) . ( 2 ) في ( أ ) : كنا جماعة . ( 3 ) السّانية : الغرب وأداته : الناقة يستقى عليها وهي النواضح ، ومنه المثل : سير السّواني سفر لا ينقطع . متن اللغة ( سني ) .